أيمن شاكر يكتب : الوجه الخفي للأيام : لماذا لا تُرى المسارات كلها ؟

 



بقلم الكاتب الصحفى أيمن شاكر 

رئيس قسم الأدب ✍🏻 

تخيل للحظة : تمشي في الطريق ، أو تمر سريعًا بين صفحات حياة الآخرين ، فتلفت عيناك مشاهد توقظ فيك همسة داخلية : " لو كنت مكانه ؟ " لكن في تلك اللحظة ، يغيب عنك شيء جوهري ، شيء لا يُرى بالعين المجردة . إنه الثمن غير المرئي الذي دفعه ذلك الشخص ليصل إلى ما تراه اليوم ، إنها المعارك التي خاضها في صمت ، والخسائر التي لم تُحْسَب ، والأوجاع التي لم تُعْلَن .

إنك ترى اللوحة النهائية المُعَلَّقة على الجدار ، لكنك لم تشهد لحظات الفوضى والألوان المختلطة على لوحة الفنان.


لطالما كانت النظرات السريعة خادعة. ما يبدو لك كنعمة ساحقة في حياة غيرك ، قد يكون في أعماقه عبئًا ثقيلاً ، أو جرحًا لا يندمل. الثروة التي تثير إعجابك قد تحمل معها شكوكًا لا تنتهي في صدق المحيطين . الشهرة التي تظهر مشرقة قد تخفي خلفها شعورًا خانقًا بالوحدة وفقدانًا للذات. الهدوء الظاهر قد يكون جليدًا رقيقًا يخفي تحته بركانًا من القلق . أنت ترى النتيجة النهائية ، لكنك لا ترى التضحيات الكامنة في الظل، ولا تعرف إن كان صاحب النعمة نفسه قادرًا على تذوق حلاوتها كما تتخيل.


كل إنسان يحمل بين جنبيه كونًا من الأسرار غير المروية . لكل منا حكاية فريدة، نُسجت بخيوط من معاناة خاصة ، وفرح مغاير ، وتحديات لا تُشبه غيرها. التجارب التي مررت بها وشكلتك ، قد تكون جبالاً لا يُطاق صعودها لآخر. والصعوبات التي تخطاها غيرك بظاهر القوة ، قد تكون نتاج معاناة طويلة لا يُحسد عليها. لا يوجد مقياس واحد للصعوبة ، ولا ميزانٌ عادلٌ للمعاناة. قوتك في موقف ما قد تكون ضعفًا في آخر ، وصبرك على ألم قد يكون انهزامًا أمام ألم مختلف. هذه ليست منافسة في التحمل ، بل هي حقيقة التنوع الإنساني العميقة.


عندما تسقط في فخ المقارنة ، فإنك لا تضر نفسك فحسب ، بل تُجحف بحق الآخرين أيضًا. أنت تسرق من نفسك فرحة الإنجازات الصغيرة ، وطمأنينة النعم الخفية . تُلهي نفسك بملاحقة سراب حياة الآخرين فتنسى جمال تفاصيل رحلتك الفريدة . تُغذي في داخلك شجرة الحسد المرّة التي تحرق قلبك قبل أن تمس من حولك. وفي الوقت ذاته ، قد تظلم غيرك بنظرة استخفاف ، معتقدًا أن نجاحه جاء بلا ثمن ، أو أن سعادته هبة مجانية ، غافلاً عن المعارك الخفية التي خاضها وحيدًا ، أنت تحكم على كتابٍ ضخمٍ من خلال غلافه البراق دون أن تقرأ سطوره الداخلية.


الحياة ليست مضمار سباق واحد ، بل هي مسارات متشعبة ، كل منها له طبيعته ، منعطفاته ، وعثراته. جمالها يكمن في تفرد كل رحلة ، وفي الدروس المستخلصة من خسائرها ، والفرح الممزوج بالتعب في انتصاراتها. بدلاً من تضييع الوقت في تفحص حدائق الآخرين ، اعمل على زرع بستانك الخاص. استبدل نظرة المقارنة بنظرة الامتنان لما تملك. حوّل طاقة الحسد إلى طاقة للتعاطف مع ذاتك ومع الآخرين ، مدركًا أن الجميع يحمل جراحًا غير ظاهرة. ابحث عن معنى نجاحك أنت ، لا النجاح كما يرسمه المجتمع أو كما يبدو في حياة غيرك.

في النهاية .. تذكر دائمًا .. وراء كل ابتسامة تُشرق ، قد تكون دموعٌ جفت في الخفاء. وراء كل نجاحٍ يلمع ، قد يكون سهرٌ طويلٌ وتضحياتٌ لا تُعد . وراء كل حياة تبدو مثالية ، ثمة فصولٌ مؤلمة لم تُقرأ . فلا تنخدع بالصورة الظاهرة ، ولا تحكم على مسارٍ لم تسلكه ، ولا تُقَيِّم رحلةً لم تعش تفاصيلها. عِش حاضرَك بكل ثقله وجماله ، واثقًا أن مسارك الخاص ، بكل ما فيه من صعودٍ وهبوط ، هو الذي يصنع قصتك التي لا تتكرر ، ويمنح إنجازاتك قيمتها الحقيقية ، لأنها نابعة من رحلتك أنت ، وحدك .

سنلتقى إن كان فى العمر بقيه 

إرسال تعليق

أحدث أقدم