في زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتعلو فيه الأصوات، تبدو الكلمة الطيبة كقيمة بسيطة لا تلفت الانتباه، لكنها في الحقيقة من أقوى الأدوات التي تملكها المجتمعات للحفاظ على تماسكها. ليست الكلمة الطيبة مجرد لباقة لغوية أو سلوك مهذب، بل هي قوة ناعمة قادرة على تهدئة النزاعات، وترميم العلاقات، وبناء الثقة بين الناس دون ضجيج.
المشكلة أن الكلمة الطيبة تراجعت لصالح لغة قاسية تبرر نفسها بالواقعية أو الصراحة. أصبح الجفاء يُقدَّم على أنه وضوح، والفظاظة على أنها قوة شخصية، بينما تُتهم اللين والرحمة بالضعف. هذا الخلل في الميزان جعل التواصل الإنساني أكثر توترًا، وأقل قدرة على الاحتواء، رغم أن الحاجة إلى الاحتواء لم تكن يومًا أكبر مما هي عليه الآن.
الكلمة الطيبة لا تعني المجاملة الفارغة، ولا التنازل عن الحق، بل تعني اختيار الطريقة التي نُعبّر بها عن مواقفنا. يمكن للإنسان أن يختلف، ويعترض، وينتقد، دون أن يُهين أو يجرح. الفرق بين النقد البنّاء والكلمة المؤذية ليس في المضمون فقط، بل في النبرة، والتوقيت، واحترام إنسانية الطرف الآخر.
أحد أسباب تآكل قيمة الكلمة الطيبة هو التطبيع مع العنف اللفظي. في البيوت، في الشارع، في أماكن العمل، وحتى في النقاشات العامة، أصبحت القسوة اللفظية أمرًا معتادًا. ومع التكرار، يفقد الناس حساسية الكلمة، فلا يعودون يشعرون بوقعها، رغم أنها تترك أثرًا عميقًا في النفس، قد لا يظهر فورًا، لكنه يتراكم مع الزمن.
كما لعبت وسائل التواصل دورًا مزدوجًا في هذا السياق. من جهة، وسّعت دوائر التعبير، ومن جهة أخرى سهّلت التجريح. غياب المواجهة المباشرة شجّع البعض على استخدام لغة لم يكن ليجرؤ على استخدامها وجهًا لوجه. وهكذا أصبحت الكلمة أداة تفريغ لا تواصل، وسلاحًا لا جسرًا.
أثر الكلمة الطيبة يتجاوز اللحظة. كلمة دعم في وقت ضعف، أو تقدير في لحظة تعب، أو اعتذار صادق بعد خطأ، يمكن أن تغيّر مسار علاقة كاملة. في المقابل، كلمة جارحة قد تهدم سنوات من الثقة في ثانية واحدة. لذلك، فإن المسؤولية الأخلاقية للكلمة لا تقل عن مسؤولية الفعل.
في البيئات العملية، للكلمة الطيبة أثر مباشر على الإنتاجية والانتماء. العامل الذي يُقدَّر جهده، ويُخاطَب باحترام، يقدم أفضل ما لديه. بينما القسوة المستمرة تُنتج الخوف أو اللامبالاة، وكلاهما عدو للتقدم. وفي العلاقات الأسرية، الكلمة الطيبة تصنع الأمان، وتفتح باب الحوار، وتخفف من حدة الخلافات.
إعادة الاعتبار للكلمة الطيبة لا تحتاج إلى حملات، بل إلى وعي فردي. أن يدرك الإنسان أن كلماته مرآة لقيمه، وأن الصمت أحيانًا أكرم من قول يؤذي، وأن اختيار العبارة ليس تقييدًا للحرية، بل احترامًا للإنسان. هذا الوعي، حين ينتشر، يصنع فرقًا حقيقيًا دون قرارات فوقية.
في النهاية، المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الأزمات الكبرى، بل تتآكل بسبب التفاصيل الصغيرة. والكلمة واحدة من أخطر هذه التفاصيل. حين نُحسن استخدامها، نُعيد بناء الثقة، ونخفف الاحتقان، ونحفظ إنسانيتنا. وحين نُهملها، نخسر أكثر مما نتصور، بصمت لا يلفت الانتباه، لكنه يترك أثرًا عميقًا.
