قضية جيفري إبستين: عندما يصبح التلاعب منظومة… وتغيب الإنسانية
لم تكن قضية جيفري إبستين مجرد ملف جنائي عابر أو فضيحة أخلاقية مرتبطة بشخص واحد، بل تحوّلت إلى واحدة من أخطر القضايا التي كشفت خللًا عميقًا في منظومات السلطة والمال والعدالة في العالم المعاصر. فهي قضية عرّت كيف يمكن للتلاعب، واللاإنسانية، والفساد أن تتحول من سلوكيات فردية إلى أنظمة حماية غير معلنة، تسمح باستمرار الانتهاكات على حساب الكرامة الإنسانية.
بدأت قصة إبستين من خلفية اجتماعية متواضعة. وُلد عام 1953 في بروكلين بنيويورك لأسرة من الطبقة المتوسطة الدنيا، وكان والداه يعملان في مجال التعليم. لم يولد ثريًا ولا صاحب نفوذ، ولم يكن هناك إرث مالي أو سياسي يبرّر الثروة والنفوذ اللذين ظهر بهما لاحقًا. هذا الصعود السريع وغير المبرّر هو بحد ذاته أول علامة إنذار في قصته.
انتقل إبستين من العمل مدرسًا للرياضيات في مدرسة نخبوية إلى عالم المال عبر علاقات شخصية، ثم عمل لفترة قصيرة في أحد بنوك الاستثمار، قبل أن يدّعي لاحقًا أنه يدير أموالًا حصرية لأثرياء العالم. لكن نشاطه المالي ظل محاطًا بالغموض: لا شفافية، ولا قوائم عملاء، ولا تفسير واضح لمصادر الثروة. وحتى اليوم، لا يوجد شرح موثّق يفسّر كيف كوّن هذا النفوذ أو لماذا حظي بثقة دوائر مالية كبرى.
الأخطر من الغموض المالي كان الاستخدام المنهجي للمال والفخامة كوسيلة نفوذ. فقد نجح إبستين في الوصول إلى سياسيين، وأفراد من عائلات ملكية، ورجال أعمال، وأكاديميين، ومشاهير، عبر شبكة علاقات مغلقة قائمة على الامتياز والحصرية. هذا القرب من دوائر السلطة خلق بيئة من الصمت والتواطؤ غير المباشر، وأسهم في تعطيل المحاسبة لسنوات طويلة رغم وجود شكاوى وتحذيرات مبكرة.
في عام 2008، أُدين إبستين في فلوريدا بتهمة استدراج قاصر، لكنه حصل على صفقة قضائية وُصفت بالخفيفة والمثيرة للجدل. لم تكن هذه الصفقة مجرد تساهل قانوني، بل شكّلت فشلًا مؤسسيًا واضحًا، إذ سمحت باستمرار نمط الانتهاكات بدلًا من وقفه. لاحقًا، أُعيد اعتقاله عام 2019 بتهم فيدرالية تتعلق بالاتجار الجنسي بالقاصرين، لكنه توفي في السجن قبل مثوله للمحاكمة. ورغم أن الرواية الرسمية تحدثت عن انتحار، فإن ظروف الوفاة ما زالت محل تساؤل واسع، ما زاد من الشعور بأن العدالة لم تأخذ مجراها الكامل.
عادت القضية إلى الواجهة بقوة في السنوات الأخيرة، خاصة مع استدعاء شريكته الأساسية للإدلاء بشهادتها ورفضها الحديث، الأمر الذي أعاد فتح الأسئلة حول شبكة العلاقات الأوسع، وحول مسؤولية المؤسسات التي فشلت في حماية الضحايا، وحول حدود المساءلة عندما يتقاطع المال مع النفوذ.
في هذا السياق، تؤكد الدوقة نيفين الجمل أن خطورة قضية إبستين لا تكمن في شخصه فقط، بل في المنظومة التي سمحت بحدوث ذلك واستمراره. فحين يصبح التلاعب وسيلة صعود، وتُفرغ الإنسانية من معناها، ويُستخدم الفساد كدرع حماية، فإن المجتمعات كلها تكون في خطر.
وتشدد الدوقة نيفين الجمل على أن الصمت على هذه الأنماط هو مشاركة غير مباشرة في استمرارها، وأن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية أو خاضعة للمكانة الاجتماعية أو النفوذ المالي. فحماية الكرامة الإنسانية، ولا سيما حماية الأطفال والفئات الأكثر ضعفًا، يجب أن تكون أولوية مطلقة تتقدم على أي مصالح سياسية أو اقتصادية.
إن قضية إبستين، في جوهرها، ليست قصة فرد منحرف، بل تحذير عالمي من عالم قد يسمح للنفوذ بأن يتقدّم على الضمير، وللمصالح بأن تطغى على العدالة. وهي دعوة لإعادة بناء الثقة في المؤسسات عبر الشفافية، والمساءلة، وعدم التسامح مع أي شكل من أشكال الإفلات من العقاب.
وتختم الدوقة نيفين الجمل بنداء واضح لا يحتمل التأويل:
إن التلاعب، واللاإنسانية، والفساد ليست أخطاء عابرة، بل تهديدات عالمية يجب استئصالها.
هذا يجب أن يتوقف. الآن.

