بقلم الكاتب الصحفى أيمن شاكر
رئيس قسم الأدب ✍🏻
في مشهدٍ يتكرر يوميًا ، يتراءى لنا تناقضٌ يُقلِق القلوب ويُربِك الإيمان : شابٌ يغش في امتحاناته ببراعة ، فيتخرج بامتياز وينال وظيفةً مرموقة. فتاةٌ تتلاعب بمشاعر الشباب وتتعدد علاقاتها ، فتُخطب لأفضل الخُطّاب . رجلٌ يتسلق على أكتاف الناس ، يستغل جهودهم ويسرق أحلامهم ، فيُصبِح من الأثرياء ، ظالمٌ يطأ الحقوق ويسلب الأرزاق ، فلا يُمسه سوءٌ ، بل تزداد قوته وسلطانه.
💧في مواجهة هذه المشاهد ، يقف المستقيم الصادق حائرًا : كيف ؟ رغم معاصيهم ..
فهم ناجحون ؟
أين العدل ؟
أين الجزاء ؟
لماذا ألتزم وأجتهد وأنا أرى حياتي أصعب ، ونصيبي من الدنيا أقل ؟
تساؤلٌ مُشروع ، يخترق الصدر ويُضعِف العزيمة ، ويهزّ ثقة البعض بقدرة الله وحكمته ، أو على الأقل ، بفهمهم لهذه الحكمة .
🩸لكن .. قف !!!
لا تنخدع بهذا الوهج الخادع ، ولا تسقط في فخ هذا "النجاح" المزيف .
ما تراه ليس نعمةً حقيقية ، بل هو استدراجٌ إلهي ، أو بمعنى أصح هو إختبار إلاهى .
يقول الله تعالى في محكم تنزيله : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [الأنعام: 44] .
هذه الآية الكريمة تكشف لنا سرًا عظيمًا من أسرار التعامل الإلهي مع أهل المعاصي والإصرار على الذنوب.
💧 النسيان أولاً : يبدأ الأمر بنسيان التذكير ، ينسى العاصي غاية وجوده ، ينسى ربه ، ينسى الموت والحساب ، ينسى أن هذه الحياة دار اختبار وليست دار قرار . يتخلى عن الصلاة ، أو يؤديها بجسدٍ حاضر وقلبٍ ساهٍ ، يتجاهل أوامر الله ونواهيه ، ويستمر فى المعصية .
💧 فتح أبواب كل شيء : هنا يأتي دور الاستدراج. يفتح الله عليهم أبوابًا ظاهرها الرخاء والنعيم : أبواب المال الوفير ، والنجاح الوظيفي السريع ، والشهرة الواسعة ، والمتاع الدنيوي الزائل ، والقوة والسلطة . يُعطيهم من الدنيا ما يشتهون ، يُسهِّل لهم سُبل المعاصي ، ويُوهمهم أنهم على صواب ، وأن طريقهم هو طريق الفلاح ! يزداد ماله ، تتعاظم مكانته ، يتحقق كل ما يبتغيه من مطامع دنيوية بسهولةٍ مدهشة ، وليس بجهد وصبر وإصرار وعزيمه وقله نوم ومجهود زهنى .
💧 الفرح بما أوتوا : فيغترّون . يظنون أن هذا كله دليلٌ على حب الله لهم ورضاه عنهم ، أو دليلٌ على ذكائهم وقدرتهم الفذة ، أو دليلٌ على أن الدين لا علاقة له بالنجاح الدنيوي ! يفرحون فرحًا غافلًا ، يتباهون بنجاحهم "المزيف"، ويُعجبون بأنفسهم إعجابًا ينسيهم ضعفهم وحاجتهم إلى خالقهم.
💧 الأخذ بغتة : وفجأةً ، دون سابق إنذار ، تأتي النهاية. قد تكون بالموت في لحظة غفلة وسوء خاتمة – والعياذ بالله – حيث يُفاجأ وهو غارقٌ في معصيته، لم يُوفّق للتوبة. أو تكون بسقوطٍ مريع في الدنيا :
كشف تزوير ، فضيحة أخلاقية ، خسارة فادحة ، مرض عضال ، سقوط من علياء القوة إلى حضيض الذل .
يأخذهم الله وهم في قمة غفلتهم وغرورهم .
💧 فإذا هم مبلسون :
وهنا الكارثة . "مبلسون" : أي يائسون ، نادمون ، حائرون ، قد خسرت أيديهم ، وتبخر ما جمعوه ، وظهر لهم زيف ما كانوا عليه . يتحسرون على ما فرطوا فيه من فرص التوبة ، وعلى الغفلة التي عاشوا فيها ، ولكن بعد فوات الأوان . الندم الذي لا ينفع ، والحسرة التي تأكل القلوب .
🩸لماذا الاستدراج ؟
حكمة الله عظيمة ، قد يكون الاستدراج :
١- اختبارًا للصالحين : ليُمحّص إيمانهم ، ويثبتوا على الحق رغم كل المغريات والفتن ، وليعلموا أن الدنيا ليست ميزانَ القرب من الله.
٢- إمهالاً للعاصي : فرصة أخرى للتوبة قبل القبض عليه، لكنه يزداد طغيانًا.
٣- استدراجًا ليزدادوا إثمًا : فكل نعمة يستخدمونها في المعصية تزيد من أوزارهم.
٤- عقوبةً مستترة : حيث يُسلَّط عليهم الشيطان ، وتُزيّن لهم أعمالهم ، فيُحرمون من لذة الإيمان وطمأنينة الطاعة ، ويُتركون لأنفسهم ولشهواتهم التي ستوردهم موارد الهلاك.
النجاح الحقيقي .. في ميزان السماء :
لا ينبغي أن نخلط بين "النجاح الدنيوي المؤقت" و"الفلاح الحقيقي الأبدي" ، قد يمنح الله الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب ، لكنه لا يُعطي الدين إلا لمن أحب . النجاح الحقيقي هو :
* نجاح القلب بالإيمان والطمأنينة.
* نجاح الروح بطاعة الرحمن.
* نجاح العمل بالإخلاص والإتقان.
* نجاح العلاقات بالمحبة والرحمة والأمانة.
* نجاح النهاية بحسن الخاتمة ورضوان الله.
هذا النجاح هو الثروة الحقيقية التي لا تفنى ، وهو النعيم الذي لا ينقطع، وهو الفوز العظيم يوم القيامة : ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
[آل عمران : 185].
💧فيا من تستقيم على أمر الله :
لا تغرّك الأضواء الكاذبة ، ولا تفتنك الأبواب المشرعة لأهل الغفلة. استقامتك في ذاتها هي النعمة العظمى ، وهي النجاح الأسمى ، ربما تأخرت الدنيا عنك ، لكن الأجر عند الله عظيم ، والأخرة خيرٌ وأبقى .
ثق بوعد الله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. الحياة الطيبة هي حياة القلب باليقين ، والروح بالرضا ، مهما قلّ الحظ الدنيوي .
ويا من تغرّك الدنيا بزينتها وأنت على معصية :
تذكّر ! هذه الأبواب المفتوحة على مصراعيها ليست دليلاً على حبّ الله لك ، بل هي فخٌ يُنصَبُ لك ، إنها مهلة قد تكون نذيرًا . قبل أن يأتيك الأخذ البغتة ، وقبل أن تصبح من "المبلسين" المتحسرين على ما فات ، اغتنم فرصة وجودك ، وأقبل على ربك تائبًا منيبًا . أغلق باب المعصية بيدك قبل أن يُغلق باب الرحمة دونك.
فانظر حولك .. كل تلك الوجوه التي تتلألأ ببريق النجاح الدنيوي الزائف ، كل تلك القصور التي بُنيت على الغش والظلم والخديعة ، كل تلك الثروات المكدسة من دماء المظلومين ودموع المقهورين .. انظر إليها جيدًا.
هي ليست إلا قبورًا مزيّنة ، وسجونًا مُذهّبة ، وسُفنًا فاخرةً تُبحر بهم .. نحو الغرق .
يُفتح لهم باب المال .. ليُغلق باب الرضا.
ويُفتح باب الشهرة .. ليُغلق باب الحياء.
ويُفتح باب السلطة .. ليُغلق باب الرحمة.
ويُفتح باب المتاع .. ليُغلق باب الإيمان.
حتى إذا ما اكتمل البنيان ، وامتلأت الخزائن ، وعلت الأصوات بالفرح والتباهي .. انفرج باب الموت فجأةً ، فإذا هم واقفون على شفا جحيم ، وقد خسرت أيديهم ، وضاع عمرهم ، وتبخر زيف ما جمعوا ، ولم يبقَ إلا الحسرة والندم الأبدي.
فلا تنخدع بالصُّوَر .. فما الدنيا إلا سرابٌ يخيّل للساقط أنه ماء.
ولا تغتر بالفتح الواسع .. فربما كان هو الاستدراج الأخير.
استَقِمْ على دينك ، واثبت على طاعتك ، وارضَ بقسمة الله لك.
فوالله .. ما النجاحُ الحقيقيُّ إلا نجاةٌ عند الممات.
وما الحياةُ إلا رحلةٌ قصيرة .. نقيسُها بالأعمال لا بالأموال.
وما نحنُ جميعًا .. إلا رُفاتٌ يُنتظر.
استَقِمْ .. فما نحنُ إلّا جنائِزُ مُؤجّلة .💔
فليكن أجلك وأنت على الاستقامة .. خاتمةً لا تندم عليها أبدًا .
سنلتقى إن كان فى العمر بقيه
